قصة للأطفال: "عقرب في بيتنا"


عقرب في بيتنا
 بقلم: د. محسن الهذيلي
تدقيق اللغة: د. محمد نور الدين المنجد
أن تجد في بيتك الذي تسكن فيه مع أسرتك عقربا، فذلك أمر مزعج إلى حد بعيد. وأسوأ ما فيه، ذلك الشعور بعدم الأمان وإحساسك بأن بيتك لم يعد بيتك، وإنما هو بيت العقرب.
وقد حكى لي والدي، عن صديق له، وجدت عائلته في بيتهم، وهو نائم، عقربا. حين انتبه، غادر البيت وهو يقول: "هذا مكان لن أنام فيه بعد اليوم"، قيل له: "إننا قتلناها"، قال: "لماذا؟ وهل خلقت من دون أهل؟"
ما سنحكيه الآن، حدث، في الحاضر، لأسرة صغيرة مكونة من أبوين وولدين: ابن في السابعة، وبنت في الحادية عشرة. واكتشفت هذه الأسرة في بيتها عقربا، وذلك قبيل المغرب.
وتزامن ظهور العقرب هذا، مع ظرف حساس كانت تمر به الأسرة، فأفرادها الأربعة لم يعودوا متفقين حول المكان الذي يجدر بهم الاستقرار فيه، فبعد أن انتقلوا إلى مدينة مسقط قادمين إليها من أبوظبي، ظهر بينهم من يريد العودة من حيث جاء.
وفي الحقيقة، تنفرد الزوجة بهذا الموقف وتصر عليه، وذلك رغم إحساسها بتعلق الزوج والأبناء بموطنهم الجديد.
وكان ظهور العقرب أثمن فرصة طرحت أمام الزوجة منذ قدومهم من أبوظبي، لذا فقد سارعت إلى العمل على تغيير نظرة الزوج والأبناء تجاه مسكنهم الجديد. قالت إن ما انتهت إليه من أبحاث واستفسارات لدى جاراتها، ليس مطمئنا، فجواب الجارة بالجنب، وهي الأمريكية التي تدعى "جميلة"، كان يستبطن اعترافا بوجود العقارب في محيط البيت. حيث إن كل ما أثار استغراب الجارة هو دخول العقرب إلى البيت وليس وجودها في حد ذاته.
أقوال الجيران الآخرين لم تكن مشجعة هي الأخرى، فالجارة السودانية مثلا، وهي طبيبة في المستشفى الجامعي، لم تخض إلا في أسباب دخول العقرب إلى البيت، وقامت بربطه بهطول المطر يومها. وقد لاحظت الزوجة أثناء زيارتها لجارتها الطبيبة أن غلافا جلديا كان يغطي الشقوق التحتانية للأبواب الخارجية لبيتها، ما زاد في شكوكها وقوّى من مخاوفها.
وبالفعل تزامن ظهور العقرب في بيت أصحابنا مع هطول غزير للمطر يومها، وكان ذلك مما أدخل السرور والبهجة على الأبناء، فلم يكونوا يعرفون مثل ذلك المطر في أبوظبي، ولكن الآن وبعد ربطه بظهور العقرب فحتى الأولاد لم يعودوا يرون فيه سببا للفرحة وإنما داعيا للخوف.
وأشارت الزوجة أيضا إلى تفسير آخر لظهور العقرب في البيت، فبالرغم من كراهية الزوج للبخور فقد قامت الزوجة يومها باستعماله في تعطير البيت. وحسب قولها، فإن ذلك مما حفز العقرب على الخروج من مخبئها داخل البيت، ولولا البخور لبقيت كامنة فيه، وربما أصابت أحد أفراد الأسرة بمكروه.
ولكن ربط البخور بنجاة أصحابنا من العقرب أزعج الزوج كثيرا، فمع فرضية وجود العقارب في محيط البيت وإمكانية دخولها إليه، فإن استعمال البخور سوف يصبح طقسا يوميا مشروعا.
ولكن هنالك أمر آخر بات يزعج الزوج أيضا، إنه القطة "لولو". لقد فُرض عليه وجودها في البيت فرضا. والآن قوّى ظهور العقرب من موقفها، فهي التي اكتشفتها وقتلتها.
و"لولو" قطة من نوع "السيامي"، وتنسب إلى البنت زينب رغم أنها لا تعنى بها البتة، أقصى ما تفعله معها، أن تحملها بين يديها، تمسح عليها، تقرب وجهها من وجهها، وتتأمل عينيها العسليتين.
ويعنى الزوج يوميا بإطعام القطة وتنظيف رمل قذوراتها، ومع تقدمها في العمر، تضاعفت أتعابها، وأصبحت متلفة لأثاث البيت، تُمْضِي فيه مخالبها أو يعلق فيه شعرها المتساقط. إلى جانب ذلك زادت كراهية رائحة بول القطة وانتشرت في زوايا البيت. وفي الأشهر القليلة القادمة، لابد أنها ستحمل وتلد، لذا أصبح الزوج يفكر جديا في التخلص منها.
من جهة أخرى، وبمناسبة الانتقال إلى مدينة مسقط، اتخذ مجلس الأسرة قرارا بالاستغناء عن الخادمة التي كانت تقيم في البيت. وبالتالي، تم انتداب مساعدة منزلية تعمل لساعات معدودات، فهي تأتي صباحا عند السادسة، بينما الأطفال نيام، وتغادر عند التاسعة، بينما يكونون في المدارس، وبذلك لم يعد يربط بين الخادمة الجديدة وبين الأولاد شيء. فالاحتكاك بينهم لم يكن، حسب تجربة الأسرة، أمرا حسنا دائما.
ولكن غياب الخادمة عن البيت، منح الزوج، من جهة ثانية، فرصة ذهبية للتخلص من القطة، فبدأ يتكاسل عن رعايتها. وعندما تصدت الزوجة لذلك، ضاقت ضرعا بلولو وكثر تذمُّرها منها. وفي يوم من الأيام صرحت أمام الجميع برغبتها في التخلص منها.
كانت زينب تستمع إلى قول أمها مستغربة التحول الخطير الذي طرأ على موقفها، ورغم رغبة البنت في المساعدة، إلا أنها لا تستطيع فعل شيء، فالمساعدة مقبولة منها حين تأتي في غير وقت أدائها لواجباتها المدرسية، أي في زمن لعبها في "السكة 11" مع صديقتها الهندية "أنوشا" وكلبتها اللطيفة "راكي".
واللعب خارج البيت، شيء جديد، لم تكن تعرفه زينب ولا أخوها عندما كانا في أبوظبي، وهو وقت عزيز عليهما، لذا على زينب أن تأخذ أحد قرارين أحلاهما مر، فإما الاستغناء عن لولو، أو التوقف عن اللعب مع صديقتها وكلبتها.
ولكن كل هذا كان مطروحا قبل ظهور العقرب، أما بعده فإن الموقف قد تبدل، ووضعية زينب أمست أكثر راحة، فأن تكون "لولو" هي من اكتشفت العقرب وقتلتها، إضافة إلى أن وجود العقارب في محيط البيت ووصولها إليه أمر وارد، كل ذلك يعطي للقطة دورا جديدا في البيت لم تكن تملكه، لقد أصبحت حارسة البيت من العقارب.
هذا الكلام قالته زينب منذ لحظة اكتشاف العقرب وهي تتلوى بين مخالب قطتها، لقد صاحت في أمها التي كانت تصور المشهد المرعب بمحمولها: "إن لولو هي من أنقذتنا فكيف تريدون التخلص منها؟!"، حينئذ سكتت الأم ولم تقل شيئا، ولكن كان واضحا أن موقفها قد تغير ثانية، فلم تعد زينب تسمعها تشتكي من القطة أو تدعو إلى الاستغناء عنها.
وفي الحقيقة لم يكن هاجس الأم بقاء "لولو" أو ذهابها، وإنما في البحث عن سبب وجيه تطالب فيه من جديد بالرجوع إلى أبوظبي، وذهب في ظنها أن ظهور العقرب سيقوي من موقفها، ولكن الذي أظهره الواقع يقول غير ذلك.
فقد كانت زينب رغم بعض خوفها سعيدة صبيحة اكتشاف العقرب، حيث وضعتها في علبة زجاجية وأخذتها إلى أستاذتها للعلوم الطبيعية، وهي المعلمة "أوليفيا"، فزينب أخبرت أسرتها، قبل ذلك بأيام، أن معلمتها للعلوم جاءتهم في أحد الدروس بخفاش يسبح وسط ماء الكحول داخل علبة زجاجية.
من جهة أخرى طلبت زينب من أبيها، على غير عادتها، أن يأخذها إلى المدرسة قبيل الوقت. في مدرستها توجد مكتبة تفتح باكرا فيها حواسيب يمكن الإبحار بها في الشبكة العالمية للمعلومات، وبالفعل وقبل بداية الدروس أمكن لزينب المجتهدة جدا أن تقوم ببحث معمق حول أنواع العقارب وأماكن تواجدها، وحين رجعت إلى البيت، استعانت بالكرة الأرضية التي لديها في مكتبتها، لتري أباها أماكن تواجد كل نوع من أنواع العقارب في العالم، والعقرب، التي اكتشفت في بيتهم، تنتمي، حسب ما علمته، إلى صنف يوجد في الصحراء العربية، ويعتبر من العقارب الأخطر في العالم، فسمها قاتل.
كانت زينب وهي تقدم إلى أبيها هذه المعلومات، تتكلم بعقل بارد لا مكان فيه للخوف أو الخشية، فأن يجعلها ظهور العقرب تقرر مغادرة بيتهم الجديد وتختار العودة إلى أبوظبي، فذلك أمر مستبعد، بل ربما يكون آخر شيء تفكر فيه.
لقد لاحظ الوالد أن ما بات يشغل بال زينب شيء آخر، فعندما رجعت من المدرسة يوم أخذت معها العقرب كانت متغيرة، لقد أمست، يا للغرابة، متعاطفة مع العقارب، فأستاذتها للعلوم الطبيعية رفضت أن تحتفظ بالعقرب وقررت دفنها، وقالت إنها ترفض العبث بثروة العالم من العقارب.
وترى زينب أن أستاذتها كانت على حق، وأنه ليس من المقبول أن نعبث بالعقارب ونضعها في علب ونبقى ننظر إليها ولا نتركها تعيش، لقد جعل هذا الكلام أبا زينب يشك في أن ابنته ربما تأنبهم على قتلهم للعقرب التي هاجمتهم في عقر دارهم.
نأتي الآن إلى ذكر الابن الأصغر، فهو المشكلة الكبرى في نظر الأب والأم بعد اكتشاف العقرب، فرغم أنه بلغ من العمر سبع سنين إلا أنه ما زال يستمتع بوضع إبهامه في فمه حين يحس بشيء من التعب أو برغبة في النوم.
ويتميز هذا الولد بقلة وعيه بمفهوم الوسخ أو ما تمثله الأماكن الوسخة من خطر على صحة الإنسان، فبذلك الإبهام الذي يضعه في فمه بين الحين والآخر يتحسس كل شيء من حوله ويتعرف عليه.
بسبب هذه الشخصية الطفولية لا يعتقد الوالدان أن ابنهما قد وعى تماما خطورة اكتشافهم عقربا في البيت، فكل ما أهمه مما حدث هو إخبار ضيوف الدار بما حدث، فقد كان يورد الخبر وينظر في عيون الحاضرين يرى مدى تأثرهم به.
بسبب ازدياد خوفها على ابنها، تدعَّم موقف الزوجة وتعمقت في نفسها الرغبة في الرحيل والعودة إلى أبوظبي، ولكن كما رأينا، لم يتغير موقف الأولاد فارتباطهم ببيتهم وموطنهم الجديدين لم يتأثر، بل إنهما اتخذا من الحدث سببا للعب وجمع الأصحاب ونسج الحكايات الواقعية والخيالية والبحث في "الإنترنت" وإعداد التقارير.
النهاية:
مرَّ أسبوعان على حادثة العقرب، وما زالت العائلة مقيمة في مسقط. الجديد هو أن أسلوب حياة الزوجين قد تغير، فقد باتا أكثر حذرا وخوفا على ابنيهما، فهما من يتفقدان وينفضان أحذيتهما كل صباح. من جهة أخرى أصبح حرق البخور، لدى الزوجة، إحدى الطقوس اليومية، وتعلم الزوج عادة رآها لدى المدخنين الذين يغادرون بيوتهم حين يريدون التدخين، فكلما بدأ التبخير غادر الزوج البيت يتنفس في الهواء الطلق.
هناك تغيير آخر طرأ على مستوى مساحات تحرك كل واحد من أفراد العائلة بما في ذلك "لولو"، فلم تعد حدود حركة القطة الطابق الأرضي وحسب، فلأسباب تتعلق بالسلامة فتحت لها كثير من الأبواب، بما في ذلك أبواب بعض الخزائن، كما أصبح مسموحا لها بالتجول في غرف النوم في الطابق العلوي وهو ما تسبب للزوج في إزعاج مضاعف، فقد وجد شعر "لولو" حتى على المخدة التي يضع عليها رأسه لينام.
من جهة أخرى لوحظ توقف الزوجة عن السخرية من مصممي البيت من المهندسين الإنجليز، فقد كانت ترى اختيارهم تغطية أرضية الطابق العلوي حيث غرف النوم بما في ذلك السلم المؤدي إليه، بـ "الموكات"، أمرا مستغربا. لقد استجلب أولئك الإنجليز من بلادهم، حسب قولها، إحساسهم بالبرد، وذلك رغم انتقالهم إلى منطقة معدل الحرارة فيها 30 درجة. بعد اكتشاف العقرب تغير رأي الزوجة هذا، لقد أمست تترَحَّم على أولئك الإنجليز لأنهم أفشلوا باختيارهم ذلك، حسب رأيها، جهد العقرب في الصعود إلى غرف النوم حيث تنغرز أقدامها وتتعطل في "الموكيت".
بالنسبة للابن فإنه عاد إلى لعبه ومشاغله الخاصة ونسي ما حدث، وكذلك زينب، التي كلما سمعت ذكر "لولو" على لسان أحد أبويها ذكرته بأهميتها الأمنية وقيمة تواجدها بينهم. كما لوحظ، في ذات الوقت، كثرة استقدام زينب أمام البيت لصديقتها "آنوشا" مصحوبة بكلبها "راكي"، وزاد حديثها عن الصفات الحميدة للكلاب، مثل وفائها لأصحابها واستماتتها في الذود عنهم...
وفي يوم من الأيام سألت زينب والدها: "هل كان لديك حيوانك السري عندما كنت صغيرا ولم يكن أهلك يسمحون لك بامتلاكه؟"، قال الوالد: "لماذا؟" قالت زينب: "لأنه أصبح لي حيواني السري وهي "راكي"، فقد قبلت "آنوشا" أن أشاركها فيها". (انتهت)

© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي (mohsenhedili2@gmail.com)

تعليقات