سيناريو فيلم قصير: "حديث تحت القصف"



سيناريو فيلم قصير: "حديث تحت القصف"
بقلم: محسن الهذيلي
1-   غرفة صغيرة/ داخلي/ ليلا
الغرفة صغيرة وذات أثاث متواضع جدا، فيها قرابة السبعة عشرة شخصا من كل الأعمار، رجالا ونساءا. هناك من هو نائم وهناك من هو بين اليقظة والنوم. وتبدو على وجوه المنتبهين علامات التعب والانهاك الكبير، بينما يبدو النائمون مطمئنون هادؤون. نستمع لصوت الانفجارات في الخارج على خلفية وجوه المستيقظين المكفهرة الكالحة والتي نتابعها عن قرب في شكل بورتريهات.
                                                المرأة العجوز:
-         خالد... يا خالد...
إحدى الفتيات:
-         لقد نام يا جدة...
الجدة:
-         هل أكل..؟
إحدى الفتيات:
-         أكل في بيت الجيران...
الجدة:
-         وماذا أكل؟
الفتاة:
-         قال أنه أكل...
الجدة:
-         ألم تسأليه؟
الفتاة:
-         أعتقد أنه قال سلطة خيار باللبن...
الجدة:
-         بالهناء والشفاء...
الفتاة:
-         أبي... أكمل
الأب:
-         جدك كان يتحدث...
الجد:
-         طلبت بعض الماء...
الفتاة:
-         ذهب سيف ليأتيك به من عند الجيران... أبي... أكمل...
الأب:
-         مازلت أعتقد أننا محضوضون... لأننا أقل الناس مفاجئة بالموت... بحيث يمكننا أن نستعد لها... (نستمع إلى صاروخ ضرب غير بعيد) عندما نستمع إلى صاروخ انفجر هنا أو هناك نعرف أن شخصا لابد قد مات، ونقول في أنفسنا إن هذا الصاروخ كان يمكن أن يصيب بيتنا أيضا، لذا نحن شبه مستعدين ومتقبلين لهذا الأمر رغما عنا، ومن استعدادنا أننا نبتهل إلى الله، وهذه نعمة، لذا فإن أسعد الناس بيننا هم الذين يموتون فترة الحرب، لأنهم يموتون وهم مستعدون، وأغلبهم يموت ذاكرا لله... (نستمع إلى موجة كثيفة من الصواريخ التي تنفجر غير بعيد)
أحدا الشبان:
-         لقد اشتد القصف...
طفل في الثانية عشر:
-         أبي... أبي...
الأب:
-         نعم...
الطفل:
-         هل يمكننا أن نفتح التلفاز لنستمع للأخبار؟
الأب:
-         سوف نفتحه في الصباح...
أحد الشباب:
-         ولكن في الصباح لنا أعمالنا...
الأب:
-         التلفزة سوف تنسيكم أن تستعدوا... وماذا سوف ترون في التلفزة؟! إنهم يتحدثون عنا. هناك بينهم من يصفنا بالارهاب وهناك من يصفنا بالمجاهدين، من يصفوننا بالإرهاب ربما يكرهوننا ولكنهم، رغم ذلك، يتعلمون من مصائبنا، ففي كل مرة نسمع أن بينهم من عاد إليه رشده ونجحت حروبنا السنوية وموتانا في أن توقظ ضميره بحيث يتحول إنسانا يفرق بين الضحية والقاتل، أما الذين يتعاطفون معنا فيتظاهرون من أجلنا في كل العالم... وهم يتابعون أخبارنا ويتأثرون لمآسينا لأنهم يعتقدون أن لهم الوقت لذلك... أما نحن فليس لنا الوقت، لأننا صامدون ببقائنا في بيوتنا وتمسكنا بأرضنا واستعدادنا أيضا ووعينا بساعة موتنا... إن المناصرين لنا في كل العالم طيبون ويحبوننا وكثير منهم يدعون لنا بالسلامة ويتصورون أننا في حاجة إلى الدعاء... ولكن الحقيقة أنهم هم أحوج منا إليه، علينا أن لا نبخل على أحبابنا هؤلاء بالدعاء، وذلك لأن دعاءنا هو أقرب إلى الإجابة ولأننا محظوظون مقارنة بهم، فنحن نعرف تقريبا ساعة موتنا ومستعدون له، (ضاحكا) لا أعرف إن كانوا سيقبلون بدعاءنا لهم بأن يمنحهم الله نفس فرصتنا هذه وأن يعيشوا مثلنا حربا متجددة من سنة إلى أخرى وأن يعيشوا تحت القصف وأن يموت منهم المئات... (ضاحكا) ربما لو سمعوني يغضبون، يقولون نحن ندعوا لكم ونتمنى لكم السلامة وأنتم تدعون علينا بالحرب وعدم السلم... ولكنني عندما أفكر في الحرب أتساءل بماذا جاءتنا حقيقة، بالموت والخراب والحصار؟ ولكن لا يجب أن ننسى أنها جاءتنا أيضا بأهم من هذا كله، جاءتنا بدوام الاستعداد للموت، وهذه أكبر نعمة، فالحياة غير باقية، والناس كثيرا ما ينسون هذه الحقيقة، ثم إن الحروب والاغتيالات التي نعرفها ألم تجعل حكامنا أكثر الناس عرضة لها، إن أقصر الناس عمرا في بلادنا زعماءنا وحكامنا، إن الواحد منهم حين يعين مديرا للشرطة أو مسؤولا يبدأ يستعد لساعة استشهاده... وحكامنا هم أقل الناس استمتاعا بالحياة، إنه من النادر أن ترى أحدهم يمشي تحت الشمس أو يتجول مثل باقي الناس أو يسبح عند الشاطئ... إنه نوع من العدالة جاءتنا بها هذه الحروب الموسمية... وهذه الحروب عادلة أيضا لأنها تقتل فينا الغني والفقير، إنها لا تميز... الآن يتحدثون عن ثراء بلادنا واحتوائها على مخزون ضخم من الغاز... ولكن الحروب السنوية والرغبة في ابقائنا فقراء تمنع من استخراج ذلك الغاز... لو توقفت الحرب لاستخرجوه فورا ولتهافت علينا الفاسدون من كل مكان واحتلوا أرضنا بطريقة سلمية جدا ووعدونا بالجنة في الدنيا بينما اجتهدوا في استخدامنا وتسخيرنا وتحويلنا عبيدا لهم... ولكن الحروب تذكرنا بجنة الآخرة التي تحررنا... وإذا كنا نريد الجنة في الدنيا حقا، فإننا سوف نعرف الطريق إليها بأنفسنا... لابد أن نكون أحرارا أولا... إن أجمل جنة في الدنيا هي الجنة التي نحس فيها بالعزة...
يهز الآن صاروخ، سقط قريبا جدا، الأرض تحت أقدام أصحابنا بحيث يرتعب الجميع وينهض النائمون مذعورون.
أحد الشبان:
-         هذا الصاروخ قريب جدا، لابد أنه أصاب أحد بيوت الجيران...
أحد الشبان الذين كانوا نائمين:
-         أبي هل أخرج لأرى...
الأب:
-         (لا ينطق)
الأم:
-         (مذعورة ومخاطبة المتكلم وربما محرضة إياه على الخروج) أظنه جهة بيت خالتك...
يخرج أغلب الشبان الذين في الغرفة مسرعين.
الفتاة:
-         بإذن الله سوف ننتصر يا أبي...
الأب:
-         المهم أن ننتصر في أنفسنا، الصليبيون عندما جاؤوا وقتلونا وأخذوا أرضنا ظنوا أنهم انتصروا، وصلاح الدين وجيشه الذين حرروها منهم ظنوا هم أيضا أنهم انتصروا، والصهاينة هم كذلك يظنون أنهم انتصروا، ولكنني أعتقد أن الانتصار والهزيمة يبدآن من الداخل، عندما تكون منتصرا من داخل نفسك فإنك منتصر حتى ولو لم تكن كذلك على الأرض، ويكون الانتصار قريب جدا، أما عندما تكون مهزوما في داخلك فإنك لم تعد جديرا بالنصر وأنت مهزوم في مستقبلك حتى لو كنت منتصرا في حاضرك، وعندما ترى هؤلاء الصهاينة يحاصرون الأبرياء ويصرون على تجويعهم ثم يقصفونهم بالصواريخ المدمرة وعندما تراهم رغم ذلك مرعوبون بسبب صاروخ صغير سقط على إحدى مدنهم فذلك دليل على أنهم مهزومون في أنفسهم وهم كذلك مهزومون في مستقبلهم لأن من يقوم بالجرائم ضد الانسانية لا مستقبل له...
يصمت الأب فجأة فيغطي الرعب وجوه النساء والأطفال والجدين العجوزين الذين نراهم من قريب على مستوى البورتري، ننتهي عند بورتري الأب الذي كان يتمتم مطمئنا...
الأب:
-         إنا لله وإنا إليه راجعون...
فجأة يصيب صاروخ الغرفة التي نحن فيها ويقلب صوتُ الانفجار الرهيب المشهدَ إلى ظلام. بعد صمت طويل نسبيا على خلفية لوحة سوداء نسمع:
                                                الفتاة:
-         (بصوت مطمئن) أخي... أكمل
انتهت

© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي (mohsenhedili2@gmail.com)

تعليقات