"القديسون Les apôtres"
قصة خيالية
بقلم: محسن الهذيلي
لا تبدأ هذه القصة عندما يظهر الجار أول مرة يضع مسدسا في حزامه مهددا
الزوجين اليافعين. تبدأ القصة قبل ذلك، عندما كان الزوجان لايزالان صغيرين.
كانا وهما صغيران يتابعان كيف بات المسلمون، إخوتهم في الدين، يصورون كعدو
الحضارة الغربية الأول. وكانت الدولة التي يعيشان في كنفها ويأتمنانها على أنفسهما
هي من تتزعم هذه الحملة.
في هذه الأجواء المشحونة بكراهية المسلمين بات الصغيران يخشيان على أنفسهما
الموت على يد أحد مواطنيهما، فبعض هؤلاء باتوا يتصرفون كالمبرمجين بلا إرادة ولا
عقل مع سلاح أو أكثر في البيت.
وعوض الكراهية والعداء كردة فعل على كل هذا، تعلم الصغيران أن يعيشا بقلب
سليم.
والقلب السليم هو عكس القلب الذي تعمل على صنعه التلفزة والسينما،
إنه القلب الذي ليس فيه أي كراهية لأحد، قلب يملؤه حب الله وحب عباده، كلهم
دون استثناء.
عندما كبر الصغيران والتقيا ثم أحبا بعضيهما وتزوجا، كان شرط الزوج أن يتحابا
حد الموت متعانقين..
قالت الزوجة: لماذا هذه الموتة؟! ألا يبقى أحدنا مع الأولاد؟!
الزوج: وأين هم الأولاد؟
الزوجة: سوف يأتون بإذن الله... وسيكونون عشرة..
الزوج: ولماذا عشرة؟!
الزوجة: حتى يبقى منهم بعد الحرب...
الزوج: عندما يجيئ الأولاد حينها سنغير قانون اللعبة، أما ونحن زوجين
حديثين فإن قانون الحب يقول: نحي مع بعضنا ونموت مع بعضنا مثل روميو وجوليات..
الزوجة: ولكن روميو وجوليات ليسا مسلمين وقد ماتا منتحرين والإسلام
يحرم الانتحار..
الزوج: ولكنهما كانا إنسانيين... إن أجمل شيء في قصة روميو وجوليات
هي أنهما ماتا وهما يحبان وليس يكرهان، رغم أنهما عاشا في عالم مليئ بالكراهية، وهو
ما علينا أن نتعلمه منهما
الزوجة: ولكن ألا ترى أن هذا الحب الذي يجعل صاحبه يقتل نفسه ليس جميلا؟!
الزوج: نحن سوف نحب بطريقة أخرى، أولا سوف نصر على الحب مثل روميو
وجوليات ثم يكون حبنا في الله لأنه عندما يكون الحب في الله لا
يتوقف عند حب بعضنا لبعض، سوف يمتد إلى كل عباد الله دون استثناء حتى الذين
يستعدون لقتلنا...
الزوجة: نحب الذين يستعدون لقتلنا؟!
الزوج: بما أننا نريد أن نموت بقلوب سليمة فإنه لا حل أمامنا إلا أن نملأ
قلوبنا بالحب المطلق...
الزوجة: أنا خائفة من أن يكون هذا الحب المطلق مما يعمي أبصارنا فلا
نرى من يجيء لقتلنا.
الزوج: هذه هي ضريبة الحب، المحب لا ينشغل إلا بأحبائه...
الزوجة كالخائفة: إن عالمنا لم يعد إنسانيا...
الزوج: لنبقى نحن إنسانيون ولنتشبه بأخلاق رسول الإسلام وكل الأنبياء ونكون
مثل الله رحمانيين وعادلين..
الزوجة: ألا ترى أن هذه الأفكار مثالية جدا وتبعدنا عن الواقع؟!
الزوج: "علينا يا حبيبتي كي نعيش سعيدين أن نصنع عالما خاصا بنا، سوف
لن نناقشهم في أحقادهم، سوف نمضي وقتنا في حب بعضنا وسوف نحبهم هم أيضا. إن الحرب التي
يستعدون لها إن استعملوا فيها الأسلحة التي باتوا يملكونها ستكون حربا ضد
الإنسانية أولا..."
قالت الزوجة: "ألا ترى يا حبيبي أن المشكلة هي أننا مسلمون؟"
قال الزوج: "نعم.."
قالت الزوجة مقاطعة: "لا أقصد... بل أردت أن أقول أن الإسلام هو الذي
يزعجهم وليس نحن، إن هذا الإقبال في مجتمعنا على الإسلام هو الذي نبههم
إلينا"
الزوج: "لذلك هم يسعون لأن يجعلوه قبيحا..."
الزوجة: "ولكنك لا تستطيع أن تجعل الجميل قبيحا"
الزوج: "تشوهه.."
الزوجة: "ألا توجد طريقة أخرى لتشويهه غير قتل الناس؟!"
كان هذا الحديث قد دار بين الزوجين شهرا واحدا بعد زواجهما، بعده بشهر، وبينما
كانا آمنين سعيدين في بيتهما، طُرق الباب، خرجا فإذا هي أخت الزوجة، استقبلاها بحب
وأدخلاها، والباب لازال مفتوحا ظهر الجار الذي سبق أن تهددهما وكان سلاحه هذه
المرة في يده، سلما عليه بقلبهما السليم فدفعهم أمامه إلى الغرفة، أنزلهم على ركبهم
ووقف على رؤوسهم.
حتى هذه اللحظة لم يكن الثلاثة يتصورون أن جارهم يمكن أن يقتلهم، لم تحس الزوجة
وشقيقتها أن الموت بات وشيكا إلا عندما سمعتا الزوج يهمس: "أشهد أن لا إله
إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله".
بعد ذلك مر الزمن سريعا كالبرق، وإذا بالزوج وزوجته ينظران إلى أجسادهما
على الأرض وهما فوق، على بعد مترين تقريبا، كانت الأخت لاتزال قابعة في جسدها ورأسها
ينزف دما، كان جارهم واقف ينظر إليها وهي تلفظ آخر شهادتها، عندما التحقت روحها بمن
هما فوق، مشى الجار في الغرفة جيئة وإيابا
ثم ألقى بجسده على الأريكة، وضع يديه على خديه وأطرق إلى الأرض.
سأل الزوج مستبشرا: ألم تلاحظا أنَّا غادرنا أجسادنا فرحين؟!
الزوجة: "لقد وجدت فرحة الحب المطلق الذي كنت تحدثني عنه"
كان الثلاثة قد تجاوزوا حينئذ سقف البيت الذي بدى لهم مملوءا فراغات...
قال الزوج سعيدا: هيا بنا نذهب..
الزوجة: نذهب ونترك الجار وحده في البيت؟!
الأخت: على كل حال لن نستطيع أن ننزل إليه، إن هناك موجة لطيفة ترفعنا
دائما إلى أعلى...
الزوجة وقد حاولت أن تنزل: صدقت.. إنه لا يمكنني النزول إلى أسفل..
الزوج: لابد أن نسرع إذن ونزور أحبابنا قبل أن نعلو كثيرا ولا نعود قادرين
على رؤيتهم.
الزوجة: سوف أزور عائلتي...
اقتربت منها شقيقتها ومسكت يدها التي خلت من يد زوجها
قال الزوج: "إذن علينا أن نفترق لساعة وسوف نلتقي أعلى"
عندما تفرقا ثم التقيا ثانية كان الثلاثة قد أصبحوا على ارتفاع شاهق وأصبح
المشهد أمامهم يشبه المشهد من على متن طائرة.
تحدث الثلاثة عن زياراتهم لأحبائهم وعائلاتهم وأصدقائهم ومدرسيهم، كان
ثلاثتهم فرحين رغم أنهم تحدثوا عن حزن وبكاء من زاروهم.
قالت الزوجة: "ألم تلاحظوا أننا لم نعد نحزن لحزنهم؟!"
ضحك الزوج وقال: "حزنهم؟! إنهم حزينون من أجلنا..."
الأخت: "عندما رأيت أمي حزينة تبكي أحببت أن أشاركها حزنها فلم أستطع،
يبدو أننا لم نعد قادرين على الحزن.."
حينئذ اقترب منهم مخلوق جميل جدا يشبه حمامة بيضاء ولكنها شفافة أو في
جوفها شيء كالمرآة وقال لهم: "هل يعجبكم أن أجيئكم في صورة حمامة؟"
قالت له الزوجة: "ومن أنت أيها الصبوح؟!"
قال: "أنا ملك..."
قالت الأخت مبتسمة: "هل أنت عزرائيل؟!"
قال الملك: "ألم تروا عزرائيل؟! كيف خرجتم إذن؟!"
الزوج: "من أجسادنا؟"
الزوجة ضاحكة: "وحدنا، كان الأمر سهلا جدا"
الأخت: "وكنا نضحك أيضا"
الملك: "بشراكم إذن.."
الزوجة: "لماذا؟"
الملك: "إنها موتة القديسين.. الآن استعدوا لتروا آخر منظر لكم
على الدنيا، بعده سوف تنسوها إلى الأبد.."
الأخت: "ننساها إلى الأبد؟! هل يمكنني أن أنسى أبي..؟"
الملك: "التفتوا"
فالتفتوا فإذا هم يرون الأرض بطريقة لم يروها بها من قبل ولا حتى في الصور
التي تأخذ من فوق السفن الفضائية، كانوا يرون الأرض بكليتها من كل جهاتها في نفس
الوقت.
قال الزوج: يبدو أننا أصبحنا في مكان من العالم والوجود يجعلنا ننظر إلى
الأشياء من زاوية مختلفة تماما.
ابتسم إليه الملك وقال: انظروا...
كانت الأرض كأنها في الليل وكانت نقاط الضوء تغطيها بالتمام تقريبا...
قال الملك: إنه مشهد لا نراه إلا مع أرواح القديسين..
قالت الأخت: ألأنه جميل جدا..؟
الملك: ليس فقط.. أتدرون ما تلك الأضواء؟
الزوج: لابد أنها البيوت والمدن تستضيء في الليل
الملك: إنه ليس الليل، والأضواء ليست أضواء فوانيس وإنما هي أضواء نفوس
حزنت وأدمعت عليكم..
ثم قال الملك: أدعو لهؤلاء الذين يحبونكم لأنكم سوف تنسوهم بعد ذلك
نظر الثلاثة إلى الأرض أمامهم وقالوا في نفس اللحظة ودون اتفاق: "رحمكم
الله"
حينئذ ابتسم الملك، فسألته الأخت: لماذا ابتسمت؟
قال: لقد نطقتم بدعائهم لكم، قلوب المحبين صافية كالمرآة..
عندما ذكر كلمة مرآة ظهرت أمامهم مرآة عظيمة صافية، قال الملك: "اتبعوني"،
ومشى نحوها.
أصبح كلهم يمشون إلى صورهم التي على المرآة، وكانوا كلما اقتربوا منها
إزدادوا جمالا... جَمال على جَمال على جَمال.. حتى أبهرهم جمال أنفسهم فأغلقوا
أعينهم..
حينئذ قال لهم الملك: "لا تفتحوا أعينكم حتى أخبركم..."
انتهت
© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي (mohsenhedili2@gmail.com)
© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي (mohsenhedili2@gmail.com)
تعليقات
إرسال تعليق