قصة قصيرة: حكاية السلحفاة والأرنب، ترويها السلحفاة








بقلم: محسن الهذيلي

أروي هذه الحكاية لأصدقائي من الصغار والكبار..
وليطمئنوا جميعا أني لن أعيد عليهم سرد تلك الحكاية المعروفة والمكررة عن ذلك السباق الذي جرى بين الأرنب والسلحفاة، والذي كانت المفاجأة فيه أن تغلبت هذه الأخيرة رغم بطئها على الأولى رغم سرعتها العجيبة..
سوف نستمع هنا إلى السلحفاة وقد أصبحت جدة، وهي تجلس مع أحفادها ليلة شتاء قارص، قريبا جدا من مدفأة بيتها، تروي لهم حكاية ليست كالحكايات التي اعتدناها.
قالت السلحفاة:
كان المسار الذي ركضنا فيه أنا والأرنب محفوفا بكل الشهوات والرغبات والمتع الممكنة... حيث تكمن لنا فيه كل الحياة التي تملأ الغابة وتعطيها خضرتها وألوانها وهواءها المحمل بشتى العطور وسنفونيتها المكونة من شدو طيورها وكل كائناتها وخرير مائها.
لذا، وقبل أن أنطلق في العدو ضد الأرنب، لم أكن أفكر في بطئي مقارنة بسرعتها، ولم أكن أفكر كيف أحافظ على نسق سريع في الركض يجعلني أتغلب عليها.
كنت أعلم جيدا أن الذي سوف يجمع بيني وبين الأرنب لن يكون سباق سرعة وإنما سباق صبر. وليس صبرا على التعب والنصب جراء العدو، وإنما صبر على الملهيات التي زرعت في درب سباقنا. ففيه اجتمع الأصدقاء يلعبون والأحباب يتسامرون ويأكلون ويشربون.
وقد كنت حينها شابة في مقتبل العمر، أعيش من أجل تلك المغريات والملاهي جميعها. ولكنني عرفت شيئا، وكان سرا بالنسبة لي، وهو أن عدم استجابتي لتلك المغريات لن يخرجني في الحقيقة عن غابتنا الوارفة الخيرات، كنت واعية أني وأنا مستغرقة في الركض باقية لا محالة في كنف الغابة أتنعم رغم ذلك بأجمل أشيائها. وفوق هذا كله، كنت أحس أني أفضل من كل الآخرين، لأن لي هدفا ساميا أريد أن أصل إليه.
إن الهدف في الحياة يجعل أبسط الأشياء فيها، والتي لا نعيرها اهتماما عادة، أمر مهم لأنها تجيء في سبيل الهدف وعلى طريقه.
كنت وأنا أعدو وحدي على مساري في الغابة، وأمر بالأرنب وهي تلعب مع أصدقائها، أحس بجمال لعبهم وحسنه، ولكنني كنت أحس أيضا أني أفعل شيئا أفضل مما يفعلون لأن هذا الشيء له هدف، أي له معنى.
وأنا أركض وحدي كل المسار تقريبا، كنت أستمع بفرحة لاصرار نَفَسِي المتسق والثابت على خلفية شدو العصافير السعيدة. كما كنت أتعرض لنفحات النسيم العليل وألعق بين الحين والآخر ندى النجم وأستنشق عطر الزهور..
بعد ذلك وعندما اقتربت من خط الوصول ولم أر الأرنب، وكنت أعلم أنه يمكنها أن تظهر في أي لحظة وتسبقني، لأنها سريعة بشكل لا يتصور، في تلك اللحظة، أي أمتار قليلة على خط الوصول، لم يكن يهمني الدخول الأولى والانتصار على الأرنب، وإنما كنت قد بدأت الاحتفال بتفوقي على نفسي، فقد انتصرت عليها عندما لم أتوقف عند شهواتها في طريق الغابة المزدانة بكل ما يجعل الحياة لحظة لهو نستسلم عندها ولا ننتصر عليها.
ثم بعد ذلك، عندما وطأت بقدمي خط الوصول، ولا وجود للأرنب حتى الآن، فرحت فرحة مضاعفة، لأنني تعلمت أن الذي ينتصر على نفسه وعلى ميولها الآنية والغرائزية هو المنتصر الحقيقي في الحياة. وانتصاره يكون انتصارا مؤزرا لا لبس فيه.
هنا، تكلم الأحفاد مرة واحدة:
-         جدتي! أكنت أنت السلحفاة التي انتصرت على الأرنب في القصة التي قرأناها في المدرسة؟! ولماذا لم تقولي لنا ذلك قبل اليوم؟! كنا نحب أن يعلم أصدقاؤنا أن جدتنا هي السلحفاة البطلة..
-         الآن يمكنكم أن تحدثوهم، ولكن أخبروهم أن جدتكم إنما انتصرت على الأرنب السريع لأنها كانت تتسابق مع نفسها أولا وكانت تريد أن تسبق شهواتها ورغباتها الآنية لتعانق في الأخير هدفها الرفيع ولا تندم على حياة قضتها في اللهو والضياع وعدم العمل والكد.

©جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي

mohsenhedili2@gmail.com

 © حقوق التصوير محفوظة للمهندسة مودة سيف الصوافي

mawada992@gmail.com


تعليقات