حيزنا المادي يطردنا منه...
بقلم: محسن الهذيلي
عندما يصبح بيتنا
من الداخل تعبيرا عما نملكه من أشياء، فإن النتيجة تكون أن يخرجنا منه. نخرج منه
إما للمحافظة عليه كمكان للعرض وليس للعيش أو بسبب الأسلوب والطريقة التي نتوخاها
في تأثيثه.
ويتحقق ذلك ضمن
أسلوبين في التأثيث:
1-
هناك أسلوب التكديس، وهو أن تملأ بيتك بشتى
أنواع الأثاث والتحف والصور التي اقتنيتها أو جمعتها خلال مسيرة حياتك الشخصية أو
العائلية الطويلة، كي تبرهن بها عن نجاحك وتميزك وربما تفوقك المادي.
وهذا الاختيار
الأسلوبي يحول المكان إلى ما يشبه المخزن أو الدكان لبيع الأثاث والتحف. فتجد
الأشياء فيه مكدسة بعضها فوق بعض، ما يجعل صاحب البيت وضيفه، على حد سواء، يشعران
بالضيق وربما الاختناق. لأن المكان ليس معدا لهما وإنما هو لعرض الأشياء والتباهي بها أولا وآخرا.
2-
وفي نفس هذا الاتجاه الاستهلاكي المادي، الذي
لا يقدر الجمال بمقاييسه الحقيقية وإنما يزنه بميزان القدرة على الملكية للأشياء،
هناك الطراز أو الأسلوب الحداثي في التأثيث.
إنه بلا شك طراز
مادي تظاهري، كما قلنا، ولكنه يتوخى طريقة مختلفة في التباهي بالملكية. وهو أسلوب
يجعل الأثاث قليلا، وربما يتسم بالبساطة، ولكنه مكون من مواد وعناصر باهضة الثمن
جدا وصممه فنانون مشهورون. وتزينه عادة تحف نادرة فنية وتراثية قديمة.
وهنا أيضا نشعر
باقتدار أصحاب البيت ولكن مع احساس مختلف بالحيز. ويبدو فيه هذا الأخير متسعا
وممتدا ودون معيقات ولكن في برود. أي إننا حين نريد أن نألف روحه يصدنا عنه ويجعل
بيننا وبينه مسافة كبيرة هي المسافة المثالية التي نجدها في دور العرض التي تعرض
أعمالا تشكيلية وفنية ولكن تغيب فيها الحياة الانسانية الحميمة.
وهذا الحيز مثله
كمثل الحيز الأول يطرد أصحابه وضيوفهم، وذلك بسبب سلبيته التي حولته إلى مكان ليس
للعيش.
وفي كلتا
الحالتين، يتحول الحيز إلى معرض نعلق عليه انتماءاتنا الاجتماعية وشهادات نجاحنا
المادي، ما يجعله بعيدا عن أن يكون مكانا للحياة أو الترحيب. وذلك سواء بالنسبة لأصحاب
البيت أنفسهم أو بالنسبة لضيوفهم الذين ينتظر أن يلقوا لدى مضيفيهم، كما هي
تقاليدنا العريقة، نوعا من التواضع والترحيب وحسن الضيافة.
©جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي
mohsenhedili2@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق