بقلم: محسن الهذيلي
1- ساحة القرية/ خارجي/
نهار
سفيان، رضوان، باقي
الأطفال
في ساحة قرية جبلية تحيط بها البيوت الحجرية المتلاصقة من كل جوانبها، جلس أطفال بين السابعة
والتاسعة من العمر على عتبات أبواب منازلهم، وعلى أمتار من بعضهم كانوا ينظرون صامتين
وعلى وجوههم مسحة من حزن وخوف.
ويدخل عليهم الساحة الصغيرة طفل في التاسعة من العمر (سفيان) وفي يده كرة وهو
سعيد ومطمئن.
سفيان:
-
السلام عليكم ورحمة الله...
ينظر
الأطفال إلى سفيان في خوف وشك، ولا أحد يرد عليه التحية، ما عدى واحد في نفس سن
سفيان تقريبا وهو رضوان، يقول بحذر مختصرا رد التحية:
-
وعليكم السلام...
سفيان:
-
جدي قال لي إن عدة عائلات قد وصلت إلى القرية البارحة، فجئت لعلي أجد
أطفالا ألعب معهم الكرة (يرمي الكرة أمامه ويحركها بين قدميه)
لا أحد يتكلم أو يعلق بما في ذلك رضوان
الذي يبدو أنه أكبرهم سنا.
سفيان:
-
هل عندكم عطلة، في العادة لا تأتون مع بعضكم هكذا... (لا جواب) لقد
تذكرت، جدي قال لي إنكم جئتم بسبب كورونا، لأنكم أعطيتم عطلة بشهر كامل... ولكن
أنا ليست لي عطلة... ليس لأن المدرسة القريبة منا لم تغلق... لقد أغلقت هي الأخرى
ولكنني لا أذهب إلى المدرسة... أدرس في البيت... جدي هو من يدرسني... وفي آخر
السنة أذهب لأمتحن... (لا جواب) أعدادي جيدة وجدي سعيد بي... وهو يعلمني الفلاحة
أيضا... جدي يقول إن المستقبل في التعلم وممارسة الفلاحة معا... لقد تركني أجيئ
هنا لأنه سمح لي بأن ألعب معكم الكرة... ولكنني لا أستطيع أن أتأخر كثيرا لأنه
يحتاجني... ألا تحبون لعب كرة القدم؟! (لا جواب) سوف أرجع أعمل في حقلنا إذن... إن
غيرتم رأيكم يمكنكم أن تسألوا عن بيت الفيلسوف. (مبتسما وفخورا) هكذا يلقب جدي هنا...
(يرفع يده محييا، يدحرج الكرة أمامه، يدير ظهره للأطفال ويبدأ انصرافه)
رضوان:
-
ألا تخاف من كورونا؟!
سفيان:
-
جدي لا يخاف منها...
رضوان:
-
ما اسمك؟
سفيان:
-
سفيان وأنت اسمك رضوان أليس كذلك، لقد التقينا قبل اليوم ولعبنا مع
بعضنا، ألا تذكر؟!
رضوان:
-
أذكر بالطبع... ولكن المشكل اليوم هو أن جدي معنا في البيت وجئنا به
من المدينة خوفا عليه من كورونا... (يشير إلى باقي الأطفال) كلنا هنا خوفا من
كورونا في المدينة... إننا لسنا خائفين على أنفسنا... كورونا ليست خطرا على
الأطفال، إنها قاتلة للكبار، فجدي عمره ثمانون سنة.
سفيان:
-
جدي أصغر منه ببضع سنين فقط، لكنه يعمل في الحقل، لذا هو لا يخاف من
كورونا... قال لي إن كورونا تقتل الناس الذين لا يعملون في الحقل ولا يمشون على
أقدامهم، كورونا تبحث عن الذين يركبون السيارات، وقال لي أيضا إن كورونا خطيرة على
الناس الذين عندهم تلفزات في بيوتهم ويقضون الساعات وهم يشاهدون الأخبار عن
كورونا. لأنه حسب جدي الأخبار عن كورونا تصيب بكورونا، لم أفهم كيف يكون ذلك ولكن
هكذا قال جدي، فجدي فيلسوف ولا أفهمه دائما. ويرى أيضا أن أصحاب الهواتف المحمولة
أسهل على كورونا ممن لا هواتف لهم. جدي ليس له هاتف جوال. وعندما يريد أن يناديني
لألحق به إلى الحقل يرفع صوته باسمي فأركض إليه...
رضوان:
-
جدي ليس فلاحا، هو دائما جالس أمام طاولته يكتب، لأن جدي كاتب، جاء
إلى هنا هروبا من كورونا ولأن لديه كتاب يريد أن يتمه...
سفيان:
-
(سعيد) جدي أيضا كاتب...
رضوان:
-
ألم تقل الآن إنه فلاح...؟!
سفيان:
-
نعم فلاح، ولكنه كاتب أيضا لذلك يطلق عليه الناس هنا اسم
"الفيلسوف"، لأن عنده أفكارا يكتبها في الكتب.
رضوان:
-
(مبتسما) وكيف هو حجم الكتاب الذي يكتبه جدك؟ لأن الكتاب الذي يريد جدي
اتمامه يتكون من عشرين جزءا. وجدي الآن في جزئه العشرين... لذا هو لا يريد أن يموت
قبل أن ينهي كتابه هذا...
سفيان:
-
كتاب من عشرين جزءا، ما شاء الله، لابد أن جدك يكتب للكبار جدا، لأن
جدي يكتب للصغار، لذا فإن كتبه صغيرة جدا وفيها كثير من الصور... وعن ماذا يكتب جدك؟!
رضوان:
-
عن اللغة العربية...
سفيان:
-
أما جدي فيكتب بها... أي اللغة العربية... ولكن يتحدث عن إنسان تعلم
أن يعيش مع الطيور...
رضوان:
-
كيف ذلك؟ هل تعلم أن يطير؟!
سفيان:
-
جدي يقول: لا نحتاج للطيران كي نعيش مع الطيور، وإنما علينا أن ننام
ونستيقظ معهم، وعلينا أن نأكل من الطبيعة مثلهم وأن ننام دائما عند الأشجار.
رضوان:
-
أما جدي فيكتب عن الجنة وكيف نعيش فيها...
سفيان:
-
ولماذا يكتب عن اللغة العربية إذن؟ الحياة في الجنة مختلفة عن اللغة
العربية أليس كذلك؟
رضوان:
-
جدي يقول إن اللغة العربية تبقينا قريبين من القرآن الذي يعلمنا كيف
نعيش في الجنة
سفيان:
-
جدي أيضا يتكلم في كتبه عن الجنة ولكنه يركز على حياة الطيور بيننا، لأنني
أعتقد أن جدي يرى أن الطيور تدخل وتخرج على الجنة متى تشاء، لا أدري كيف، لأن جدي
"فيلسوف" كما قلت لك، وله أفكار لا أفهمها أحيانا. الذي فهمته أن في
الجنة لا توجد أعمال فالله هو من يرزقنا. والطيور هنا لا تعمل فهي تأكل من حقلنا
وجدي هو الذي يعمل. وهو يسعد كثيرا عندما تأكل الطيور من زرعه، يقول إنها تأخذ ما
تأكله لتخبئه لنا في الجنة. تخيل الطيور تأكل دون تعب وصاحب الطعام يسعد بذلك.
أليست جميلة هذه الحياة؟
رضوان:
-
مثل جدي، كل الوقت جالس أمام طاولته يكتب، ونادرا جدا ما يخرج، ورغم
ذلك قال لي في إحدى المرات إنه يحس أنه يعيش في الجنة...
سفيان:
-
جدي أيضا يقول لي عندما يكون جالسا تحت شجرة يستمع إلى الطيور تغني
إنه يحس أنه في الجنة. جدي الفيلسوف يرى أن سبب غناء الطيور كل الوقت أنها سعيدة بحياتها
في الجنة لأنه في الجنة وحدها نكون سعداء دائما والطيور كما قلت لك تدخل وتخرج على
الجنة كل يوم، لذا جدي يدعو إلى مصاحبة الطيور والعيش قريبا منها كي نسعد طول
الوقت.
رضوان:
-
وجدي يريدنا أن نعيش مع القرآن دائما كي نعيش في الجنة ونكون سعداء دوما...
سفيان:
-
ولكننا نذهب إلى الجنة بعد أن نموت...
رضوان:
-
(يضحك) ولكن جدي يقول غير ذلك، هو يرى أننا كي نكون في الجنة عندما
نموت علينا أن ندخلها قبل ذلك بكثير...
سفيان:
-
قبل ذلك بكثير؟! متى؟!
رضوان:
-
الآن في هذه الدنيا...
سفيان:
-
وكيف؟!
رضوان:
-
جدي يقول إن ذلك ممكن بتعلم العربية والعيش في القرآن
سفيان:
-
ولكن كيف نعيش في القرآن؟! فهو ليس شجرة تحط عليها الطيور وتغني!
رضوان:
-
ولكن جدي يرى أن كلام القرآن يصبح، عندما نتقن العربية، أماكن وعوالم
ندخل إليها عندما نتلفظ بأحرفه وكلماته... في إحدى المرات طلب مني أن أقرأ سورة
الكوثر، هل تعرف سورة الكوثر؟ ثم أفهمنيها باللغة العربية وقال لي اقرأها عشرة
مرات وحدك وسوف تصل إلى الكوثر، وبعد أن قرأتها عشر مرات أحسست أني زرت الكوثر في
الجنة فعلا واغتسلت بمائه كما اغترفت منه غرفة بيدي استطعمتها. وعندما رجعت إلى
جدي وحدثته بما أحسست قال لي: إن أردت أن تتجول في كل الجنة عليك أن تتقن اللغة
العربية وتتجول بها خلال القرآن وعندما تصل إلى آيات الجنة أدخل فيها وستتنعم. جدي
يقول إنه يفعل ذلك فعلا. لذا فإن جدي دائما سعيد رغم أنه يقضي كل وقته أمام
الطاولة يكتب، ونادرا ما يخرج...
سفيان:
-
جدي أنا يعمل في الحقل ويكتب قليلا ويرسم كثيرا ولكنه يقضي أغلب وقته تحت
الأشجار. عندما تكون الطيور فوقها يكون هو تحتها، ولكنه يقول لي إنه هو أيضا فوق، قلت
لك إن جدي فيلسوف، أحيانا لا أفهمه، ويقول لي أيضا إن الطيور عندما تستيقظ في
الصباح يستيقظ هو معها وعندما تخرج للحقل يكون قد سبقها للعمل فيه.
رضوان:
-
عندما ينتهي مرض كورونا لأنه لابد أن ينتهي لأنه ابتلاء والابتلاء كما
يقول جدي لا يدوم، حينئذ لابد أن يلتقي جدي وجدك ووقتها سوف نلعب الكرة بالتأكيد،
ما رأيك؟
سفيان:
-
سأحدث جدي بما دار بيننا، سوف يسعد كثيرا وسيحب ملاقاة جدك. الآن علي
أن أذهب لأساعد جدي في جمع الليمون. يبدو أنه نافع جدا ضد كورونا، لأنه بات مطلوبا
جدا في المدينة. (ثم نظر إلى كل الأطفال قائلا) هل تريدون أن أجيئكم بشيء منه...
لا أحد يجيبه. ينظر إليهم متأملا، يحمل
كرته بين يديه ثم ينصرف مهرولا
رضوان:
-
(بصوت مرتفع لابتعاد سفيان) لا تنس أن تحذر جدك من أهل المدينة الذين
يأتون لأخذ الليمون، ربما يحملون له كورونا...
سفيان:
-
(من بعيد وبصوت مرتفع) لا تحزن جدي لا يخاف من كورونا...
2- ساحة القرية/ خارجي/
ليلا (وقت المغرب)
جد سفيان، سفيان
يجر جد سفيان حمارا محملا بأكياس الليمون،
ويضع سفيان أمام باب كل بيت من بيوت الأطفال كيس ليمون ثم يطرق الباب ويمر، إلى أن
ينتهيا من ذلك وينصرفان دون انتظار. قبل أن يغادرا الساحة ويختفيان تماما، يفتح
الأطفال أبواب بيوتهم، ينظرون خائفين إلى الأكياس ثم إلى سفيان وجده وهما ينصرفان ولا
يأخذون الأكياس ويتركونها مكانها ويغلقون الأبواب دونها.
بعد أن لم يعد سفيان وجده في ساحة القرية
الصغيرة وتصبح خالية تماما، تفتح الأبواب ثانية ولكن تفتحها النساء هذه المرة، يخرجن
رؤوسهن وأيديهن، يدخلن أكياس الليمون ويغلقن الأبواب. ثم يهبط الليل على ساحة
القرية وتمتلئ السماء بالنجوم.
(تمت)
© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي
mohsenhedili2@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق