بقلم: محسن
الهذيلي
يتميز حينا بين
أحياء المدينة كلها بحدائقه
الوارفة وأشجارها الخضراء الشاهقة التي يمكن مشاهدتها من بعيد جدا. وقبل أن يتم إنشاء
ذلك البرج العالي على مدخل حينا الشرقي، كان يمكننا أن نراها حتى من نوافذ مدرستنا
الواقعة عند الشاطئ.
وفي كل بيت في
حينا، توجد، أمامه أو وراءه أو ربما وسطه، حديقة تؤوي إليها العصافير وقت غروب شمس
كل يوم. وهو الوقت الذي يتردد علينا فيه، من باقي الأحياء القريبة، ممارسو رياضة
المشي لينتشروا خلال السكك يتجاذبون أطراف الحديث. وهناك من سمعهم يقولون إن المشي
في حينا أفضل حتى من المشي في منتزه المدينة الكبير، لأن في حينا هناك نفس الأشجار
ولكن مع الهدوء ونظافة الهواء.
ويجتهد سكان حينا ويتنافسون
فيما بينهم في الاعتناء بأشجار حدائقهم، ولكن السبب الرئيسي وراء صورة حينا الجميلة المزدانة بألوان الطبيعة، هو عمي إسحاق البستاني، فهو
صاحب الفضل في ذلك وله طريقة لا مثيل لها في الاعتناء بالأشجار.
فعمي إسحاق يقضي
أغلب وقته بين أشجار حدائقنا، التي يقول عنها إنها حدائقه، لأنه من زرع أشجارها
وكبَّرها.
وتجاوز عمي إسحاق البستاني
الستين من العمر، لأنه تقاعد عن العمل في حديقة مدرستنا وجاء يعمل في حينا. ويسكن
عمي إسحاق مع أسرته الكبيرة في قرية بعيدة عن مدينتنا، يسافر إليها نهاية الأسبوع.
وعندما يدخل عمي
إسحاق إلى حدائقه، أي حدائقنا، للعمل فيها؛ فإنه، كما يقول والدي، يغادر زماننا ليعيش
زمانا آخر يجعله لا يحس بمرور الوقت الذي يمضيه بين الأشجار. ويقضي يومه في حوار
دائم معها، فقد نسمعه يسألها ويتعرف على حالها حتى يمكنه مساعدتها.
وقد سمعته يقول
لها كلاما مثل:
-
أنت أجمل الأشجار التي قابلتها في حياتي...
أنت سريعة النمو رفيعة القوام... خضرتك بهية لذا سأناديك يا بهية... إن ثمارك لا
تباع في السوق، ولو وجدت لبيعت بوزنها ذهبا.
كما يسمع أحيانا
وهو يخاطب التربة ويقول لها:
-
أنت تربة مباركة، الأشجار والأزهار التي تنبت
عليك سعيدة جدا، لأنك كريمة معها تطعمها وتسقيها بلا شروط. كرمك ورحمتك هي سبب
سعادتها وسعادتي.
وفي إحدى الأيام، كان
يعمل في حديقة بيتنا وقت الغداء، فطلبت مني أمي أن آخذ إليه الطعام، دعاني أن
أشاركه فيه فجلست. كانت تلك فرصتي كي أسأله، قلت:
-
عمي إسحاق هل لديك حلم؟
دون أن ينظر إلي
قال:
-
نفس حلم الطفولة، صاحبني طيلة حياتي...
-
وما هو؟!
-
أن يحب الناس، كل الناس، بعضهم بعضا...
-
ولماذا هذا الحلم؟!
-
لأنه إن تحقق فسوف يسعد الجميع. على كل حال، يصبح
هذا الحلم، الذي يبدو مستحيلا، سهلا متيسرا حين نطبقه على أنفسنا...
-
وكيف ذلك؟!
ابتسم عمي إسحاق
وقال:
-
أن أحب، وحدي، أي بيني وبين نفسي، كل الناس
من قلبي...
-
وكيف يمكننا أن نحب كل الناس وفيهم من
الأشرار مثل الرجل الذي بنى ذلك البرج الشاهق عند مدخل حينا، ويحكى أنه سيبني مثله
ومثله...
هذه المرة لم تأخذ
ردة فعل عمي إسحاق شكل الابتسامة فقط، بل كانت ضحكة بأتم معنى الكلمة، ومن الضحكات
التي تعاقب عليها أستاذة الانجليزية... وتعرفت أثناء هذه الضحكة على طاقم أسنان
عمي إسحاق كله، وبدا لي أن أغلبه قد رحل.
بعد أن انتهى من
ضحكته الواسعة، كنت أنتظر منه تعليقا ولو بسيطا على كلامي الذي أضحكه وأدخل عليه
كل هذه الفرحة، ولكنه لم يفعل، فسألته:
-
لم تقل شيئا يا عمي إسحاق؟!
-
هناك الكثير من الأشرار في هذه الدنيا يا بني،
ولكن الحل معهم بالنسبة لمن يصر على السعادة في هذه الحياة، هو أن يحسن اختيار
مهنته.
-
وما دخل المهنة التي نمتهنها في السعادة
ومحبة الناس يا عمي إسحاق؟!
-
كي نعيش حب الناس جميعا، لابد أن نختار مهنة
بحيث نحب من خلالها بالضرورة كل الناس بل كل المخلوقات التي تعيش من حولنا.
-
وأي مهنة هي هذه يا عمي إسحاق؟!
مسك عمي إسحاق بجذع
الشجرة الصغيرة أمامه وقال سعيدا:
-
منها مهنتي هذه: فن البستنة. إن الهدف منها
توسيع مساحة الخضرة في حياة الناس، لأن الخضرة خلقها الله كي تسعدنا. وبعملي هذا
لا أستطيع أن أمنع الأشرار من التنعم بثماره، بما فيهم ذلك الرجل الذي بنى البرج
الذي أحزنك...
ومع الأيام، عرفت
أن ليس لعمي إسحاق البستاني إلا سؤالا واحدا يسألني إياه عندما يلتقيني مع أحد
أصدقائي، وهو:
-
هل تحبان بعضكما بعضا؟
وعندما نجيبه بلا
أو لا ندري، يبدأ يحدثنا عن حلمه:
-
إنكما عندما تحبان بعضكما بعضا، توسعان
العالم من حولكما. لأن الكراهية، أو حتى عدم الحب، يضعان أمام كل فرد منا حواجز
وعوائق تمنعه من الانطلاق بفرحة في عالمنا الكبير...
ثم يطلب منا أن
نتهادى ولو بشيء بسيط، تفاحة مثلا أو قلم رصاص أو تحية. نعم، فالتحية تكفي، حسب
عمي إسحاق، لصنع الحب ورفع الحواجز بين النفوس...
في إحدى المرات
شكوته أستاذة الانجليزية، وقلت له إنها لا تحب ضحكته الواسعة، وعوض أن يدافع عن
نفسه، سألني:
-
هل تحب أستاذة الانجليزية؟
أردت أن أقول له
إني أكرهها، فتوقفت لعلمي بفلسفته ضد الكراهية، وبينما قلت في نفسي: لا، همست
إليه، دون أن أعلم: نعم...
قال:
-
قبل أن أروي لك حكاية طريفة عن نفسي، أخبرني كيف
هو حبك لها؟!
تجرأت حينئذ وقلت:
-
لا أدري.
أجلسني وقال لي:
-
سأروي لك حكايتي أولا ثم نرجع إلى معلمة
الانجليزية.
قلت سعيدا:
-
أحب الحكايات...
-
هذه ليست حكاية مثل تلك الحكايات التي
تعرفها، هذه حكايتي أنا، هل تعلم يا بني أنني قبل أن أبدأ العمل في مدرستكم
كبستاني كنت مدرسا فيها؟!
لم أكن أعلم بذلك وفاجأني
الخبر وأطلق خيالي بشكل عجيب، وسألت نفسي كيف يكون الفصل وعمي إسحاق البستاني من
يدرس فيه لابد أن يكون الحب مكتوبا على السبورة ومعلقا على الجدران وفي الألواح...
وسمعت عمي إسحاق يسألني ثانية:
-
هل تريد أن تسمع حكايتي؟
-
طبعا أحب...
-
كنت أدرس اللغة العربية، وكان معنا في
المدرسة بستاني شاب، كنت أحب مهنتي للتدريس لأنها تدخل، كما قلت، ضمن المهن التي يمارس
صاحبها معها محبة كل الناس الذين يدرسهم، ففي الفصل أنت تدرس كل الأطفال، الشقي
منهم والسعيد، تقدم لهم العلم وتربيهم على حسن المعاملة. واكتشفت عندما تعرفت على
هذا الصديق البستاني أن مهنته تدخل ضمن مهن المحبة الغير مشروطة بحيث يحب بعمله كل
من يمر قرب البستان الذي يشتغل فيه، لذا أحببت هذه المهنة وأحببت صاحبها. ثم بت أجلس
معه تحت الأشجار بينما هو يقوم على خدمتها ورعايتها. وبينما كنت أتعلم منه فن
البستنة، قمت بتعليمه أصول اللغة العربية وأحكامها بحيث بات ضليعا في النحو. وأصبح
مع الأيام شغوفا بالشعر والنثر العربيين. كل هذا جرى ونحن في ظل أشجار بستان
المدرسة، هل تعلم أن الوقت تحت الأشجار الوارفة الظلال فيه البركة؟
-
والدي يقول إنك حين تدخل تحت الأشجار في
حدائق حينا تخرج من زماننا وتدخل زمانك أنت...
-
وهو زمان أكثر بركة لأنه أقل ملهيات، لأن هذه
الملهيات التي كثرت اليوم هي ما يسرق منا زماننا... لنعد الآن إلى بستاني المدرسة
الشاب. بعد ما جرى بيني وبينه، اختفى فجأة دون سابق إنذار وبقي عمله شاغرا. حينئذ،
لمعت في عقلي فكرة جميلة فابتسمت وذهبت بها إلى ناظر المدرسة، وطلبت منه أن يجعلني
مكانه ما بقي لي من سنين قبل تقاعدي، فقبل على مضض، وبدأت أزاول مهنتي الجديدة
التي وجدتها أقرب إلى حلمي من مهنة التدريس... بعد سنين من ذلك، وعاما واحدا قبل تقاعدي، عين لدينا معلم جديد للغة العربية. وعندما زارني
ليعرفني بنفسه، وجدت أنه ذلك البستاني الشاب الذي مهدت له علوم العربية. لا أستطيع
يا بني أن أصف لك مدى فرحتي بلقائه...
صحت متعجبا:
-
إذن أنت كنت مدرسا وأصبحت بستانيا؟! هذه أعجب
حكاية سمعتها في حياتي، لو كنت معلمي في المدرسة يا عمي إسحاق لتعلمت أن أحب كل
الناس، ثم دون أن أشعر قلت: ولكن ليس مدرسة الانجليزية...
ابتسم عمي إسحاق البستاني وقال:
-
لنعد الآن إلى مدرسة الانجليزية. لا تنس،
أولا، أنها اختارت مهنة صعبة جدا وهي من مهن الحب غير المشروط...
قاطعته ناقما:
-
ولكنني أكاد أجزم أنها لا تحب كل التلاميذ
بنفس الدرجة، فهي لا تعجبها طريقة نطقي للحروف والكلمات، وكثيرا ما تجعل زملائي
يسخرون مني...
وإذا بعمي إسحاق
يضحك ضحكته التي يستعرض فيها كل أسنانه ما بقي منها وما ذهب، قلت:
-
إنها لا تحبنا أن نضحك هكذا في القسم...
-
نضحك إذن في قلوبنا...
-
وكيف نضحك في قلوبنا يا عمي إسحاق؟!
-
حتى تضحك لها من قلبك: اجلس دائما في الصف
الأول، وكن أمامها، وانظر في عينيها، ولا تسمع إلا كلامها وكأنها وحدها في القسم.
وعندما تنطق، أنطق معها همسا. وعندما تكتب على السبورة، أكتب معها على كراسك.
وعندما تفهم الدرس، ارفع يدك لتجيب على أسئلتها. وعندما لا تفهم، ارفع يدك
واسألها. فإن أجابتك وفهمت، أشكرها. وإن لم تفهم، أخبرها وقل لها إنك ستراجع
المسألة في البيت وحدك. وبعد مراجعتها في البيت والرجوع إلى المدرسة، أخبرها بما
توصلت إليه واسألها ثانية إن لزم الأمر. وإذا قرأت قصة أو كتابا أو مقالا في البيت،
سواء كان بالإنجليزية أو العربية، فلخصه لها بالإنجليزية بشكل موجز. عندما تسافر،
أكتب لها ورقة عما شاهدته وأحببته في سفرك، وقدم لها الورقة مع هدية بسيطة ولكن
رمزية من البلد الذي كنت فيه. أما عندما تلتقيها خارج الصف، فلا تنس أن تسلم عليها
دائما وبحرارة وأن تسألها عن أحوالها وأحوال عائلتها. ولا تذكرها عند أصحابك إلا
بخير. وعندما تصلي، وهذا مهم جدا، ادع لها مع والديك وأسرتك وأقاربك وجيرانك
وأصدقائك وكل من تحب...
-
وهل تظن أنني أستطيع ذلك؟!
ضحك عمي إسحاق
ضحكته السعيدة إياها رغم افتقارها إلى عديد الأسنان ثم قال:
-
نعم تستطيع، بشرط أن تطلب رغد العيش، لأن طريق
الحب وحده ما يجعل العالم رحبا والحياة رغيدة...
ومن ثمة بدأت أجرب
على نفسي أفكار عمي إسحاق، ولكن ليس مع أستاذة الانجليزية لأني وجدت الأمر معها
مستحيلا، وإنما بدأت التجربة مع أسرتي: أبي وأمي ثم إخوتي، عندما يكلماني والداي
أنظر في عينيهما وأنصت إليهما جيدا وأحيانا أكتب ما يطلبانه مني، أستفسرهما عندما
لا أفهم شيئا، وعندما أقرأ كتابا أو قصة أو حتى مقالا قصيرا ألخصه لهما، وعندما
يسافران بي أكتب لهما ورقة صغيرة ألخص لهما فيها ما رأينا وما أعجبني وما لم
يعجبني، كما أكتب لهما يوميا ما جرى لي في المدرسة. أما عن دروس الانجليزية فقد
أصبحت أخبرهما عنها بورقة أكتبها باللغة الانجليزية. وقد فرح بذلك والداي، كما
أحست أستاذة الانجليزية أن كتابتي قد تحسنت كثيرا وشكرتني أمام زملائي في القسم
وأطنبت في ذلك. وهو ما أسعدني كثيرا فبدأت أطبق فلسفة عمي إسحاق حتى مع أستاذة
الانجليزية:
أصبحت أجلس في الصف
الأول أمامها، وأنظر في عينيها عندما تتكلم ولا أستمع إلا إليها وكأنها وحدها في
القسم. وعندما تنطق، أنطق ما تقوله همسا كي أحسن نطقي. وعندما تكتب على السبورة،
أدون ما تكتب على كراسي. وعندما أفهم، أرفع يدي لأجيبها على سؤالها. وعندما لا
أفهم، أرفع يدي، فإن أذنت لي سألتها، فإن أفهمتني، شكرتها، وإن لم أفهم، استمهلتها
إلى الدرس القادم.
وفي البيت أرجع إلى
بعض مصادر المعرفة، ولا أهدأ حتى أجد جوابا شافيا كافيا، ثم أكتب لها ورقة بما
توصلت إليه. من جهة أخرى، أصبحت كلما قرأت قصة أو كتابا أو حتى مقالا لخصته لها بالإنجليزية
وسلمتها إياه قبل بدء الدرس. وعندما أسافر مع عائلتي أكتب لها ورقة عما شاهدته
وأحببته في سفري، ولا أنسى أن أجلب لها هدية بسيطة ولكن رمزية من البلد الذي زرته.
وأصبحت كلما التقيتها في ساحة المدرسة سلمت عليها بحرارة وسألتها عن أحوالها
وأحوال عائلتها. وعندما أذكرها بين أصحابي لا أذكرها إلا بخير ما فيها، ولا أذكر
مساوئها أبدا. وعندما أصلي لا أنسى أبدا أن أدعو لها مع والدي وأسرتي وأقاربي وجيراني
وكل معلمي وكل الناس الذين أحبهم...
وقبل نهاية السنة
الدراسية بأيام، قامت أستاذة الانجليزية بتسليمي دون باقي زملائي هدية أحسنت
تغليفها. استحييت أن أفتحها أمامها رغم رغبتي القوية في ذلك، وعندما لم تطلب مني
فتحها وضعتها في حقيبتي ورجعت بها إلى البيت. عندما وصلت، فتحتها، فإذا هي كتاب مطبوع
وضعت فيه كل النصوص التي سلمتها إياها مصححة ومدققة.
في أول الكتاب
كتبت مدرّستي ما يلي:
لقد حدثني عمي
إسحاق، معلم اللغة العربية، أنك بت من تلاميذه؛ لذا أحببت أن يكون هذا الكتاب هو
إحدى ثمار ارتباطك بفلسفة الحب والنفع لكل الناس. (تمت)
© جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي
Mohsenhedili2@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق