قصة للأطفال: راشد يرسم طعم الأشياء

 

 



 

بقلم: محسن الهذيلي

لدى أبو راشد نظرة جميلة للعلاقة بالطبيعة، فهو يرى أن الواحة أو الحقل يحرك في الإنسان مكامن فطرته السليمة. والإنسان ما دام على فطرته وفي أجوائها فإنه يكون سليم النفس حسن الخلق طيب الهواجس والأفكار، سعيدا. أما عندما يأخذ نفسه إلى أماكن الاستهلاك واللهو فإن غرائزه سرعان ما تتحرك فيه وينسى نفسه، وبالتالي يفقد فطرته إلى حين ويبدأ يحزن. أما ما دام مع فطرته وفي عالمها السليم فإنه يكون في الطريق السالك السهل اليسير.

لذا يحب أبو راشد اصطحاب ابنه راشد معه إلى الواحة. يأخذه إليها في كل الفصول. وفي كل فصل تتفتق الواحة عن ثمار خاصة به.

وهو يتجول براشد خلال الواحة لا ينسى الأب أن يطعم ابنه العزيز عليه من ثمارها. ودائما ما يتجاذب معه أطراف الحديث:

الأب:

-         ما هذه الثمرة يا راشد؟

الابن:

-         أعرفها جيدا، أنت تحبها كثيرا وأمي تحبها كثيرا أيضا وجدي وجدتي يحبانها أكثر منكما، إنه التمر ومن الذي لا يعرف التمر؟!

الأب:

-         بعد أن طعمت منه، هل يمكنك، أي بني، أن تصفه لي..؟

الابن

-         أصفه لك! كيف؟!

الأب:

-      كما تصف السماء والشجر، لنبدأ بالسماء، كيف تصف السماء يا راشد؟ هل طلب منك في المدرسة أن ترسم السماء؟

الابن:

-         نعم أرسمها دائما، لأنني أحب السماء، ورسمها سهل، فيكفيني أن ألون أبيض الورقة أعلى سطح البيت بالأزرق. وأعرف أيضا كيف أرسم السماء بالنهار والليل. في الأول لم أكن أعرف رسمها بالليل ولكن معلمتي صفاء علمتني. طلبت مني أن أبحث في علبة الأقلام الملونة عن أدكن أزرق ثم لونت به فوق سطح البيت دون أن أنسى طبعا أن أترك في بحر الأزرق دائرة بيضاء هي البدر. وقالت لي المعلمة: "إن شئت أتركه أبيض وإن شئت لونه بالأصفر أو البرتقالي". أنا لونته بالأصفر ليكون مثل الذهب.. 

الأب:

-         وهل تستطيع وصف الشجرة؟

الابن:

-         طبعا أستطيع، فأنا أرسمها دائما خضراء كما هي هنا في الواحة. وعندما أرسم الشجرة ألون سماءها بأخفت لون أزرق عندي وأترك دائرة بيضاء أيضا، وهي مكان الشمس، ثم وقد رفع رأسه إلى السماء أضاف، اليوم لا نرى الشمس لأن السحاب يغطيها..

نظر الأب إلى السماء وأضاف بدوره:

-          ربما يرحمنا الله اليوم بالمطر، هل تحب المطر أي بني؟

الابن:

-         لم أكن أعرف كيف أرسمه ولكن المعلمة لقنتني ذلك، ووجدته سهلا جدا، فيكفي أن ترسم خطوطا قصيرة وكثيرة تنزل من السماء، لقد رسمت المطر أحسن من صديقي أيمن لأن المعلمة شكرتني أكثر منه وقالت له: "عليك ألا ترسم الشمس عندما ترسم المطر.."، والسماء عندما تنزل منها المطر يكون لونها هكذا، وبعد أن رفع بصره إلى السماء أضاف، هذا اللون نسيت اسمه..

الأب:

-         هل تقصد الرمادي؟

الابن:

-         نعم الرمادي، أنا لا أحب الرمادي، لأنني أحب الأزرق أكثر منه، فمع الأزرق أرسم الشمس أيضا وأنا أحب أن أرسم الشمس وأن أرسم خطوط الضوء خارجة منها وأرسم الشجرة الخضراء ثم أرسم جذعها وأغصانها باللون البني. وعندي يا أبي في علبة الأقلام التي اشترتها لي أمي بني يشبه تماما لون جذع النخلة. صديقي الذي يجلس بجانبي بنيه غير مناسب ولا يشبه لون جذع النخلة ولكنه يشبه لون الرمل. دائما ما أعيره قلمي ليلون جذع نخلته ويعيرني قلمه كي ألون الأرض التي تقف عليها نخلتي. المعلمة تقول لنا: "أنتما تتعاونان دائما فتجيئ رسومكما جميلة جدا.."

الأب:

-         هذا جيد، أحسنت يا بني، أرجع الآن وأطلب منك ثانية أن تصف لي طعم التمر..

الابن:

-         أبي.. إننا لم نرسم أبدا طعم الأشياء، نعم رسمنا تفاحة. ولقد جعلتها حمراء وصديقي أيمن، الذي يجلس بجانبي، صاحب البني الذي يشبه لونه لون التربة، أيمن عندما رسم التفاحة جعلها خضراء. أما أنا فرسمتها حمراء. المعلمة قالت لنا إننا دائما نتكامل. سألتها ماذا تعني "نتكامل" فقالت: إننا نتصرف مع بعضنا وكأننا واحد. وفي وقت الغداء عندما رأتنا نأكل مع بعضنا، أطعمه مما عندي ويطعمني مما عنده قالت لنا: أنتما طالبان مثاليان، سألتها ما معنى مثاليان، قالت: أنتما تتصرفان مع بعضكما كما أحب من كل الطلبة أن يتصرفوا مع بعضهم. أي أن يحب بعضكم بعضا وأن يساعد بعضكم بعضا وأن يكرم بعضكم بعضا، كأن تتقاسموا الطعام بينكم مثلا. المعلمة صفاء علمتنا أشياء كثيرة ولكنها لم تعلمنا رسم طعم الأشياء. أرى أن هذا صعب يا أبي.

الأب:

-         هو ليس صعب كما تظن، سوف ترى.. أجبني الآن: عندما تأكل تمرا بأي طعم تحس..

الابن:

-         بطعم الحلاوة..

الأب:

-         ها إنك بدأت تصف لي طعم التمر، أحسنت أي بني..

الابن:

-         إن هذا سهل إذن، التفاحة أيضا حلوة والبرتقال حلو أيضا ولكنه أحيانا لا يكون حلوا تماما، إنها حلاوة ممزوجة بشيء آخر لا أقدر أن أرسمه أيضا ولكنني أحسه..

الأب:

-         صفه لي، أي بني، ما دمت تحسه..

الابن:

-         لا أعرف..

الأب:

-         يشبه طعم أي ثمرة أخرى..؟

الابن:

-         يشبه طعم الليمون عندما لا تضع فيه أمي السكر، والليمون أنا أرسمه أصفر أما البرتقال فأرسمه برتقالي. لا يوجد برتقالي بين أقلام الألون في علبة صديقي أيمن لذا قالت له المعلمة أن يستعمل الأحمر والأصفر وقد نجح في صنع البرتقالي ولكن قلمي البرتقالي أعطى لونا أفضل من لون صديقي أيمن لأن معلمتي قالت لي أحسنت يا راشد وقالت لأيمن لقد نجحت يا أيمن في إيجاد اللون البرتقالي من الأصفر والأحمر. وأنا أرى أن أحسنت خير من نجحت.. ما رأيك أنت يا أبي؟

الأب:

-         أنا أجد أن كلاكما مجتهدان يا بني، ولكن لماذا لم تعر صديقك أيمن قلمك البرتقالي؟

الابن:

-         لأنني يا أبي لم أرسم برتقالة واحدة وإنما رسمت شجرة برتقال كبيرة جدا، وقد أخذت مني كامل الورقة، وكان علي أن ألون كل البرتقال التي عليها.. قرابة العشرين برتقالة أو أكثر، ولقد قلت لصديقي أيمن أن من الأفضل له أن يرسم شجرة ليمون أو شجرة تفاح أحمر عوضا عن شجرة برتقال ولكنه رفض.. قال إنه يحب البرتقال كثيرا.. قلت له: أنا أيضا أحب البرتقال كثيرا وأحب خاصة اليوسفي..

في هذه اللحظة نزلت قطرات مطر على وجهي الأب وابنه، كان راشد يتحدث حينئذ فزعم أن قطرة مطر نزلت على لسانه فقال له الأب:

-         صف لي إذن طعم المطر..

أجاب راشد بسرعة:

-         إن لها طعم الماء..

ثم ركض الأب وابنه سريعا إلى السيارة، فالمطر أصبح غزيرا واستغشى بلحافه الشفاف كامل الواحة، وبقي المكان فارغا إلا من أشجاره ونباته وخاصة عبق التراب الذي أخذت منه المطر لونه الذي في لون القلم في علبة الصديق أيمن.

(تمت)

©جميع الحقوق محفوظة للكاتب محسن الهذيلي
mohsenhedili2@gmail.com
©حقوق التصوير محفوظة للمصور نبيل الرواحي

nalrawahi@hotmail.com

تعليقات